جبل مرة… عندما اكتشفت الجنة الخضراء في قلب السودان
هناك أماكن لا يمكن للصور وحدها أن تنقل جمالها، ولا تستطيع الكلمات أن تصفها كما هي. وجبل مرة هو واحد من تلك الأماكن. فعندما وصلت إليه لأول مرة، شعرت أنني أكتشف وجهًا جديدًا للسودان، وجهًا مليئًا بالجبال الخضراء، والشلالات المتدفقة، والينابيع العذبة، والهواء النقي، والبساتين التي تمتد على سفوح الجبال، والناس الذين يستقبلون الزائر بابتسامة صادقة وكرم أصيل.
أنا مرشد محلي في برنامج Google Local Guides، وأؤمن بأن مشاركة الأماكن الجميلة تساعد الآخرين على اكتشافها وتقديرها. خلال زيارتي إلى جبل مرة ومدينة نيرتتي، حرصت على توثيق هذه الرحلة بعدد كبير من الصور ومقاطع الفيديو، لأنني كنت أريد أن أُظهر للعالم جانبًا من السودان قد لا يعرفه الكثيرون.
يُعد جبل مرة أعلى سلسلة جبلية في السودان، ويقع في إقليم دارفور، وهو من أكثر المناطق تميزًا بتنوعها الطبيعي. فالمناخ المعتدل، وخصوبة التربة البركانية، وتوفر المياه، كلها عوامل جعلت هذه المنطقة مختلفة عن كثير من مناطق البلاد. ولهذا أصبحت موطنًا لمزارع الفاكهة، والمحاصيل الزراعية، والينابيع، والشلالات، والمناظر الطبيعية التي تخطف الأنظار.
كلما تقدمت في الطريق نحو الجبل، بدأت الطبيعة تتغير تدريجيًا. اختفت مظاهر الجفاف التي يعرفها كثيرون عن أجزاء من السودان، وظهرت المرتفعات الخضراء والوديان والمزارع. وفي موسم الأمطار يزداد جمال المنطقة، حيث تتحول سفوح الجبال إلى لوحة طبيعية نابضة بالحياة، وتجري المياه في الأودية، وتنتشر السحب حول القمم في مشهد يبعث على التأمل.
ومن أكثر ما أعجبني هو التنوع الكبير الذي تتمتع به المنطقة. ففي مسافة قصيرة يمكن مشاهدة مزارع البرتقال والليمون والجوافة والرمان والعنب، ثم الانتقال إلى ينابيع المياه العذبة، وبعدها الوصول إلى شلالات تنساب بين الصخور وسط الأشجار. هذا التنوع يجعل كل زاوية في جبل مرة تستحق التوقف والتصوير.
كانت مدينة نيرتتي نقطة الانطلاق لاستكشاف المنطقة، ومنها بدأت رحلتي بين القرى والوديان والمزارع والأسواق. وخلال هذه الرحلة لم أكتفِ بمشاهدة الطبيعة، بل تعرفت أيضًا على حياة السكان المحليين، وطريقة معيشتهم، وأسواقهم، ومحاصيلهم الزراعية، وعاداتهم في استقبال الضيوف، وهو ما جعل التجربة أكثر عمقًا وإنسانية.
في هذا المقال سأشارككم أبرز ما شاهدته في جبل مرة ونيرتتي من مناظر طبيعية، وشلالات، وسدود، وأسواق، ومزارع، وثقافة محلية، وآمل أن تُسهم هذه القصة، مع صوري ومقاطع الفيديو التي التقطتها، في تعريف مزيد من الناس بهذا الكنز الطبيعي الذي يستحق أن يُعرف ويُقدَّر ويحافظ عليه.
الطبيعة الساحرة في جبل مرة… لوحة رسمتها الأرض عبر آلاف السنين
عندما يتحدث الناس عن السودان، يتبادر إلى أذهان الكثيرين المناخ الحار والسهول الواسعة، لكن جبل مرة يقدم صورة مختلفة تمامًا. فهو عالم طبيعي متنوع يجمع بين الجبال الشاهقة، والوديان العميقة، والينابيع العذبة، والشلالات، والغابات، والأراضي الزراعية الخصبة، في مشهد يجعل الزائر يشعر وكأنه في منطقة مختلفة تمامًا.
كلما ارتفع الطريق نحو الجبل، يبدأ الهواء في البرودة تدريجيًا، وتزداد الخضرة، وتظهر الأشجار التي تغطي السفوح. وخلال موسم الأمطار تزداد روعة المكان، إذ تتحول المرتفعات إلى مساحات خضراء، وتجري المياه في الأودية، وتتشكل الشلالات التي تمنح المنطقة جمالًا استثنائيًا.
ومن أكثر ما يميز جبل مرة وجود العديد من الينابيع الطبيعية التي يعتمد عليها السكان في الشرب وري المزارع. وتنساب المياه من المرتفعات عبر مجارٍ صغيرة لتغذي الأراضي الزراعية المحيطة، وهو ما ساعد على ازدهار الزراعة في المنطقة منذ زمن طويل.
كما يشتهر جبل مرة بالشلالات الطبيعية التي تتدفق بين الصخور البركانية، وتُعد من أجمل المواقع التي يمكن للزائر الاستمتاع بها والتقاط الصور فيها. ويزداد تدفق المياه بعد موسم الأمطار، فتتحول الشلالات إلى مشاهد مبهرة تجذب محبي الطبيعة والتصوير.
ومن المعالم الطبيعية المعروفة في جبل مرة بحيرة الفوهة البركانية (بحيرة دِرِيبة)، وهي بحيرة تكونت داخل فوهة بركان قديم، وتُعد من أبرز الظواهر الجيولوجية في السودان. ويمنح موقعها بين المرتفعات إطلالة مميزة، كما تعكس التاريخ الجيولوجي الفريد للمنطقة.
وتنتشر في الجبل أنواع مختلفة من الأشجار، منها أشجار الفاكهة التي يزرعها السكان، إضافة إلى الأشجار البرية والنباتات العطرية والأعشاب التي تنمو بفضل المناخ المعتدل والأمطار الموسمية. ويسهم هذا التنوع النباتي في توفير بيئة مناسبة لأنواع مختلفة من الطيور والكائنات البرية، مما يزيد من القيمة البيئية لجبل مرة.
وخلال التجول في المنطقة، يمكن مشاهدة المزارع وهي تمتد على سفوح الجبال في مشهد يجمع بين جمال الطبيعة وجهد الإنسان. ويعمل المزارعون على استغلال خصوبة التربة البركانية لإنتاج محاصيل متنوعة، فتبدو الأرض وكأنها لوحة مرسومة بدرجات مختلفة من اللون الأخضر.
ومن أجمل اللحظات التي يمكن أن يعيشها الزائر هي مشاهدة شروق الشمس أو غروبها من إحدى المرتفعات، حيث تنعكس أشعة الشمس على الجبال والوديان، وتتحرك السحب بين القمم، في مشهد يمنح إحساسًا بالسكينة ويجعل كل رحلة إلى جبل مرة تجربة يصعب نسيانها.
بالنسبة لي كمرشد محلي، لم تكن زيارتي مجرد رحلة لالتقاط الصور، بل كانت فرصة لتوثيق مكان يعكس جانبًا مختلفًا من السودان. وكل صورة أو مقطع فيديو التقطته كان محاولة لنقل هذا الجمال الطبيعي إلى كل من لم تتح له فرصة زيارة جبل مرة، حتى يتعرف على هذا الكنز الطبيعي الذي يستحق الاهتمام والحفاظ عليه.
نيرتتي… مدينة الحياة عند سفوح جبل مرة
بعد استكشاف الطبيعة الساحرة في جبل مرة، كانت مدينة نيرتتي محطة لا تقل جمالًا وأهمية. تقع المدينة عند سفوح الجبل، وتُعد من أهم المراكز التي يقصدها السكان والزوار، فهي حلقة وصل بين القرى الجبلية والمزارع والأسواق، وتتميز بموقعها الذي يجمع بين جمال الطبيعة والنشاط الزراعي والحياة الاجتماعية.
من أول ما يلفت انتباه الزائر في نيرتتي هو الحركة اليومية في الأسواق الشعبية. ففي الصباح الباكر يبدأ المزارعون بالوصول حاملين منتجاتهم الطازجة التي جُمعت من مزارع جبل مرة والقرى المحيطة. تمتزج أصوات الباعة بروائح الفواكه والخضروات والتوابل، في مشهد يعكس بساطة الحياة وجمالها.
ويُعد سوق نيرتتي من أهم الأسواق في المنطقة، حيث يمكن للزائر مشاهدة وشراء منتجات محلية متنوعة، مثل البرتقال، والليمون، والجوافة، والمانجو، والرمان، والعنب، إضافة إلى البطاطس، والطماطم، والبصل، والثوم، والفلفل، والبامية، والذرة، والدخن، وغيرها من المحاصيل التي تشتهر بها المنطقة بفضل خصوبة تربتها.
كما يشتهر السوق ببيع العسل الطبيعي، الذي ينتجه عدد من مربي النحل في المناطق الجبلية، إلى جانب التوابل المحلية والحبوب والمنتجات التقليدية. ويمنح التجول في السوق فرصة رائعة للتعرف على نمط الحياة اليومي لسكان المنطقة، ومشاهدة التنوع الكبير في المنتجات الزراعية التي تشتهر بها دارفور.
ولا تقتصر أهمية نيرتتي على الأسواق فقط، بل تُعد مركزًا للحياة الزراعية في المنطقة. فمعظم الأسر تعتمد على الزراعة، وتنتشر المزارع على سفوح الجبال والسهول المجاورة، مستفيدة من الأمطار الموسمية والينابيع الطبيعية. ويظهر ذلك بوضوح في المساحات الخضراء والبساتين التي تحيط بالمدينة.
وخلال زيارتي، كان أكثر ما أعجبني هو كرم أهل نيرتتي وحسن استقبالهم للزوار. فالابتسامة الصادقة، وروح التعاون، والاحترام المتبادل، كلها أمور تجعل الزائر يشعر وكأنه بين أهله. ويحرص السكان على الحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم، وهو ما يمنح المدينة طابعًا ثقافيًا مميزًا.
أما المطبخ المحلي، فهو يعكس أصالة المائدة السودانية. ومن أشهر الأطعمة التي يمكن للزائر تذوقها الكسرة، والعصيدة، والقراصة، وملاح الويكة، وملاح الروب، إلى جانب اللحوم المشوية، والفواكه الطازجة التي تُقطف مباشرة من المزارع. وتمثل هذه الأطعمة جزءًا من التراث الذي يعتز به سكان المنطقة.
ومن خلال تجولي كمرشد محلي، حاولت توثيق هذه التفاصيل بالصور ومقاطع الفيديو، ليس فقط لإظهار جمال الطبيعة، بل أيضًا لإبراز حياة الناس، والزراعة، والأسواق، والثقافة المحلية. ففي رأيي، لا تكتمل قصة أي مكان دون التعرف على سكانه وطريقة حياتهم، لأنهم يمثلون روح المكان الحقيقية.
غادرت نيرتتي وأنا أحمل انطباعًا جميلًا عنها؛ فهي ليست مجرد مدينة عند سفوح جبل مرة، بل هي بوابة لاكتشاف واحدة من أغنى مناطق السودان طبيعيًا وثقافيًا، ومكان يستحق أن يتعرف عليه العالم بصورة أكبر.
توثيق الجمال مسؤولية… ورسالة من قلب السودان إلى العالم
عندما أصبحت مرشدًا محليًا في Google Local Guides، أدركت أن دوري لا يقتصر على إضافة موقع على الخريطة أو كتابة مراجعة، بل يتعدى ذلك إلى توثيق الأماكن التي تستحق أن تُعرف، ومساعدة الآخرين على اكتشافها من خلال المعلومات الدقيقة والصور الأصلية والتجارب الصادقة.
كانت رحلتي إلى جبل مرة ومدينة نيرتتي من أكثر الرحلات التي أثرت فيّ. وخلالها التقطت أكثر من 56 صورة ومقطع فيديو لعدد من المواقع الطبيعية والمعالم المحلية، من الشلالات والينابيع والمرتفعات، إلى الأسواق والمزارع والمناظر البانورامية. لم يكن هدفي مجرد التصوير، بل أردت أن أُظهر للعالم جانبًا مختلفًا من السودان؛ جانبًا مليئًا بالحياة والطبيعة والجمال.
أؤمن بأن الصورة الواحدة يمكن أن تدفع شخصًا إلى اكتشاف مكان جديد، وأن مراجعة صادقة قد تساعد مسافرًا في التخطيط لرحلته أو تشجع باحثًا أو مصورًا أو محبًا للطبيعة على التعرف إلى هذه المنطقة. ولهذا السبب أحرص دائمًا على أن تكون مساهماتي مبنية على ما شاهدته بنفسي، وأن تكون الصور أصلية وتعكس الواقع.
ومن خلال زيارتي، أدركت أن جبل مرة ليس مجرد سلسلة جبلية، بل هو موطن لتنوع طبيعي وثقافي غني. ففي كل قرية، وكل مزرعة، وكل وادٍ، توجد قصة تستحق أن تُروى. وتعرّفت على أشخاص يعملون بجد في الزراعة، ويعتنون بأرضهم، ويحافظون على تقاليدهم، ويستقبلون الزوار بكرم واحترام.
وأتمنى أن تحظى هذه المنطقة بمزيد من الاهتمام من الجهات المعنية بالسياحة والبيئة، وأن تستمر الجهود للحفاظ على مواردها الطبيعية وجمالها الفريد. فمثل هذه الأماكن تمثل جزءًا مهمًا من التراث الطبيعي للسودان، والمحافظة عليها مسؤولية مشتركة بين السكان والزوار وكل من يوثقها.
إذا سنحت لك الفرصة لزيارة جبل مرة عندما تكون الظروف آمنة، فأنصحك بأن تمنح نفسك وقتًا كافيًا لاستكشافه. لا تكتفِ بمشاهدة الشلالات أو التقاط الصور، بل تجول في المزارع، وتحدث مع السكان، وزُر الأسواق المحلية، وتذوق الفواكه الطازجة والأكلات الشعبية، واستمتع بالهواء النقي والمناظر التي تتغير مع كل منعطف في الطريق.
وفي المقابل، أتمنى من كل زائر أن يحترم البيئة، ويحافظ على نظافة المكان، وألا يترك أي مخلفات، وأن يتعامل مع السكان المحليين باحترام، لأن السياحة المسؤولة هي أفضل وسيلة للحفاظ على جمال هذه المناطق للأجيال القادمة.
أشعر بالفخر لأنني استطعت توثيق جزء من جمال جبل مرة بعدستي، وآمل أن تساعد صوري ومقاطع الفيديو التي شاركتها في خرائط Google على تعريف المزيد من الناس بهذه المنطقة الاستثنائية. فكل مساهمة صادقة، مهما كانت صغيرة، قد تصبح نافذة يطل منها العالم على مكان يستحق أن يُرى.
بالنسبة لي، لم تكن هذه الرحلة مجرد زيارة، بل كانت تجربة إنسانية وطبيعية لا تُنسى، أكدت لي أن السودان يضم أماكن مذهلة تستحق أن تُوثق وتُحكى قصصها. وسيظل جبل مرة بالنسبة لي أحد أجمل الأماكن التي زرتها، ووجهة أتمنى أن يكتشفها كل من يحب الطبيعة، وأن تبقى دائمًا رمزًا للجمال والتنوع والأمل.
https://goo.gl/maps/aL6AzBVsymRoTns5A?g_st=ac
https://goo.gl/maps/KSG9JrqfByCP1Y3W8?g_st=aw
https://goo.gl/maps/SRmCYaGCSwRrXxR39?g_st=aw
https://goo.gl/maps/BTUfKdx8FSkMYe3o8?g_st=aw
obada









